مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط

لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة وإعادة تعريف الدور والمسؤولية

 

تلعب لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة دورًا محوريًا ومؤثرًا في فتح مساحات حقيقية للنقاش الجاد حول قضايا المرأة في المجال الإعلامي، ليس من منطلق شعاراتي أو احتفالي، وإنما عبر عمل دؤوب ومتواصل يشتبك مع الواقع، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويسعى إلى تحويل القضايا المزمنة إلى ملفات عمل وحوار مجتمعي. هذا الدور المتراكم للجنة جعلها واحدة من أهم المنصات التي تعيد التفكير في صورة المرأة وصوتها داخل المشهد الإعلامي المصري، وتدفع باتجاه خطاب أكثر وعيًا وعدالة ومسؤولية.

ويأتي هذا الحراك المستمر انعكاسًا لرؤية واضحة تقودها الدكتورة سوزان القليني، رئيسة لجنة الإعلام، التي استطاعت أن تمنح عمل اللجنة بعدًا استراتيجيًا يتجاوز رد الفعل إلى الفعل المؤثر. فبخبرتها الطويلة في المجالين الأكاديمي والإعلامي، نجحت في ترسيخ قناعة بأن تمكين المرأة في الإعلام لا يتحقق فقط عبر زيادة نسب التمثيل، وإنما من خلال إعادة تعريف الدور، وتطوير الخطاب، وطرح قضايا تمس جوهر المهنة ومسؤوليتها المجتمعية. وقد انعكس ذلك في طبيعة الملفات التي تتبناها اللجنة، وفي قدرتها على إدارة حوار متوازن يجمع بين حرية التعبير والانضباط المهني.

وفي هذا الإطار، تأتي الندوة التي تنظمها لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة، والتي تسعى من خلالها إلى دعوة الإعلاميين والباحثين والخبراء للمشاركة في نقاش موسع حول قضية صوت المرأة في الإعلام بين الحرية والمسؤولية، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في اللحظة الراهنة. فالإعلام يشهد تحولات متسارعة، ومنصات التواصل الاجتماعي باتت ساحة مفتوحة للتأثير، وهو ما جعل صوت المرأة حاضرًا بقوة، لكنه في الوقت نفسه أكثر عرضة للتأويل، والاستقطاب، وأحيانًا الهجوم.

إن الحديث عن صوت المرأة في الإعلام لا ينفصل عن صورتها، فالصورة انعكاس مباشر لطبيعة الصوت وحدوده. وقد عانت المرأة طويلًا من اختزال دورها الإعلامي في قوالب نمطية، إما بوصفها عنصرًا جماليًا أو موضوعًا ثانويًا، بعيدًا عن مواقع التحليل وصناعة الرأي. ومع تطور المشهد الإعلامي، وارتفاع وتيرة مشاركة النساء في الصحافة والإعلام، أصبح من الضروري الانتقال من مجرد الحضور إلى التأثير، ومن الوجود الشكلي إلى الفعل المهني القادر على تغيير السرديات السائدة.

غير أن الحرية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون مطلقة أو منفصلة عن المسؤولية. فالصوت الإعلامي، خاصة حين يصدر عن امرأة، لا يمثل تجربة فردية فقط، بل يُحمّل بدلالات اجتماعية وثقافية أوسع. ومن هنا تبرز أهمية الوعي بأثر الخطاب، والالتزام بقيم المهنة، وعدم الانجرار وراء منطق الإثارة أو التريند على حساب المضمون. وهو ما تسعى لجنة الإعلام إلى ترسيخه عبر نقاشات جادة تضع المهنية في قلب معركة تمكين المرأة.

وتكتسب هذه الندوة أهمية خاصة لأنها تفتح الباب أمام مساءلة الذات الإعلامية، وطرح أسئلة جوهرية حول كيفية الموازنة بين الدفاع عن قضايا المرأة، والانخراط في القضايا الوطنية والإنسانية الكبرى، دون تعارض أو تصادم. فالإعلامية أو الصحفية ليست معزولة عن سياقها المجتمعي، وصوتها يظل جزءًا من خطاب عام يتشكل ويؤثر ويتأثر بما يدور حوله.

كما تطرح الندوة إشكالية المسؤولية في العصر الرقمي، حيث أصبح النشر أسهل من أي وقت مضى، وأصبحت الأخطاء أكثر انتشارًا وتأثيرًا. فالمرأة الإعلامية اليوم تواجه تحديات مركبة، من بينها التنمر الإلكتروني، والتشكيك في الكفاءة، ومحاولات التشويه، وهو ما يجعل من الصمود المهني، والالتزام بالقيم، شكلًا من أشكال المقاومة الواعية. وهنا يبرز دور المؤسسات، وعلى رأسها المجلس القومي للمرأة ولجنة الإعلام، في توفير الدعم المعنوي والمعرفي، وخلق مساحات آمنة للحوار وتبادل الخبرات.

ولا يمكن إغفال أن واحدة من القضايا التي تفرض نفسها بقوة في هذا السياق هي قضية تواجد المرأة في مواقع اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية. فصوت المرأة لا يكتمل تأثيره ما لم يكن حاضرًا في غرف التحرير، وعلى طاولات صنع السياسات الإعلامية. وهو ما يجعل من النقاش حول الحرية والمسؤولية مدخلًا أوسع للحديث عن العدالة المهنية، وتكافؤ الفرص، وبناء بيئة إعلامية أكثر تنوعًا وإنصافًا.

إن ما تقوم به لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة، بقيادة الدكتورة سوزان القليني، يعكس إيمانًا حقيقيًا بأن الإعلام شريك أساسي في التنمية، وأن تمكين المرأة إعلاميًا هو جزء لا يتجزأ من معركة الوعي وبناء الإنسان. فالقضية ليست في رفع الصوت فقط، وإنما في توجيهه، وضبط إيقاعه، وتحويله إلى أداة للتنوير والتغيير الإيجابي.

يمكن القول إن صوت المرأة في الإعلام يظل مؤشرًا دقيقًا على صحة المجال العام. فكلما كان هذا الصوت حرًا ومسؤولًا، كلما عكس مجتمعًا أكثر نضجًا وقدرة على إدارة الاختلاف. ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي تضطلع به لجنة الإعلام، ليس فقط في تنظيم الفعاليات، وإنما في صياغة رؤية ممتدة تعيد الاعتبار للإعلام كقيمة، ولصوت المرأة كعنصر فاعل في مستقبل أكثر وعيًا وتوازنًا.
وفي النهاية، يمكن القول إن لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة لا تقوم بدور تنظيمي عابر، بل تمارس فعلًا ثقافيًا ومهنيًا ممتدًا يسعى إلى إعادة الاعتبار لقيمة الإعلام بوصفه شريكًا في التنمية وصناعة الوعي. فالرهان الحقيقي لا يقتصر على إتاحة المنصات أو رفع سقف الحرية، وإنما يتمثل في بناء خطاب إعلامي نسائي واعٍ يدرك تأثير الكلمة ومسؤولية الصورة، ويوازن بين الجرأة والانضباط، وبين الدفاع عن الحقوق وخدمة الصالح العام. ومن خلال هذا المسار، تؤكد اللجنة، بقيادة الدكتورة سوزان القليني، أن صوت المرأة حين يكون حرًا ومسؤولًا لا يضيف فقط إلى قضايا المرأة، بل يثري المجال العام بأكمله، ويعكس مجتمعًا أكثر نضجًا وقدرة على الحوار والتقدم.
مصطفي البلك
[email protected]